عربي
Wednesday 18th of October 2017
code: 89444
النبوة و الرسالة و الولاية

النبوة و الرسالة و الولاية:


فصل: في معنى النّبوة و الولاية و الفرق بينهما.


قال بعض الأعلام: إن الولاية الخاصّة بالمعنى المتقدم، و بالمعنى الّذي نوضحه قريبا دائرتها أتمّ و أكبر من دائرة النبوّة التشريعيّة، و لذلك انختمت النّبوة، و الولاية دائمة، و أيضا جعل الولي اسما من أسماء اللَّه تعالى، دون النّبي، و سيجي ء وجه ذلك.
و أما بيان أن الولاية باقية دون النبوة و الرّسالة التشريعيتين هو: أن الرسالة و النّبوة التشريعيتين لمّا كانتا من الصفات الكونيّة الزّمانيّة فلا محالة تنقطعان بانقطاع زمان النبوة و الرّسالة، و سيجي ء في الفرق بين النّبوة التشريعية و التعريفيّة أن النبوة التشريعيّة التي هي النبوّة المنضمّ إليها التبليغ و التعليم و يسمّى بالرسالة
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  30
حينئذ تكون موقّتة بزمان التبليغ، فإذا انقضى زمانه انقطعت الرسالة لا محالة. و أما الولاية فلمّا عرفت أنها صفة إلهيّة، و شأن من الشئون الذاتيّة، التي تقتضي الظهور، فهي لا محالة دائمة لا تنقطع أبدا، لأن هذه الولاية أثر من الصفات الذاتيّة، من القدرة و العلم و نحوهما، فلا محالة تكون دائمة، و بهذا اللحاظ يكون الولي اسما من أسمائه تعالى دون النبوة و الرسالة، ثم إنه لا يمكن الوصول لأحد من الأنبياء و غيرهم إلى الحضرة الإلهيّة إلا بالولاية التي هي باطن النبوة، و سيجي ء معنى كونها باطن النبوة.
فصل: النبوة و الرسالة قسمان: تعريفيّتان و تشريعيّتان.
اعلم أن النبوّة على قسمين: تعريفّي و تشريعي.
أمّا الأوّل: فحاصله أنّ النبوّة التعريفية هي الإنباء عن المعارف الإلهيّة بملاك الفناء في الحق، و سيجي ء بيانه. فهي بهذا المعنى ثابتة للأولياء، و باقية ببقاء الولاية، أي لم تنقطع ما دامت الدنيا باقية، و عند انقطاعها ينتقل الأمر إلى الآخرة، و لمّا كانت الولاية أكبر حيطة من النبوة التشريعية و باطنا لها، فلا محالة شملت الأنبياء و الأولياء جميعا فالأنبياء أولياء حال كونهم فانين في الحق، باقين به، منبئين عن الغيب و أسراره.
لما علمت أن الولي هو الذي فنى في الحق تعالى، و عند هذا الفناء يطّلع على الحقائق و المعارف الإلهيّة فينبئ عنها عند بقائه ثانيا، أي بعد الفناء. و كذلك النبيّ، لأنه من حيث ولايته، يطّلع على الحقائق و المعارف، فتكون بهذا اللحاظ نبوّته تعريفيّة، فينبئ عنها، أي عن المعارف و الحقائق. فإذا أمر بالتبليغ فالنبوة تشريعية، و هذا المقام - أي مقام الولاية - كمقام النبوة اختصاص إلهيّ غير كسبي. و بعبارة أخرى: النبوّة التعريفية الملازمة للولاية الإلهيّة من مواهبه تعالى.
فصل: صاحب الولاية قسمان:
اعلم أنّ صاحب الولاية على قسمين في غير الأنبياء و الأئمة عليهم السّلام:
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  31
القسم الأوّل: من حصلت له الولاية بنهاية السفر الأوّل، الذي هو السفر من الخلق إلى الحقّ، و ذلك السفر يحصل بإزالة التعشّق عن المظاهر و الأغيار، و الخلاص من القيود و الأستار، و العبور من المنازل و المقامات، و الحصول على المراتب و الدرجات حصولا يقينيّا، بنحو علم اليقين، و يستلزم هذا السفر الاتصاف بصفات أولياء اللَّه تعالى، و لكن ليس هذا المقام مقام الوصل، و مقام الوليّ المطلق، فلا يتوهم العارف غير الواصل و المشاهد بقوة استعداده للغيوب، و المتّصف بالصفات الحميدة و الأخلاق المرضيّة، غير السالك طريق الحق بالفناء عن الأفعال و الصفات و الذات، المتحقق بمقام قرب النوافل و الفرائض، إنّه وليّ واصل، لأن هذا الوصل المشار إليه سابقا وصل علمي، أو شهود قلبي بإلغاء القيودات، فهو غير واصل في الحقيقة، لكونه بعد في حجاب العلم و الشهود، و قد قيل: العلم هو الحجاب الأكبر.
نعم، إذا كان الكشف الشهودي موجبا لفناء الشاهد في المشهود، و محو العابد في المعبود، فهو ولي واصل، إلا أن هذا يلحق بالقسم الثاني:
القسم الثاني: هو السالك طريق الحق بالفناء عن الأفعال و الصفات و الذات، المتحقق بمقام قرب النوافل و الفرائض، و الذي انمحى رسمه، و زال عنه اسمه، فتجلى الحق له.
و بعبارة أخرى أن أولياء اللَّه هم الذين تطهّروا من الصفات النّفسية، و تنزّهوا عن الخيالات الوهميّة، و تخلّصوا عن القيود الجزئيّة، و أدّوا أمانة وجودات الأفعال و الصفات و الذات إلى من هو مالكها بالذات، و هو المبدئ المتعال، فعند فنائهم عن أنفسهم، و بقائهم بالحق يتّصفون بالولاية، و يحصل لهم ما هو غاية آمال العارفين.
فصل: في ذكر حديث شريف فيه بيان أحوال أولياء اللَّه تعالى.
في المحكي عن المجلد السابع عشر من بحار الأنوار، عن أنس بن مالك«» قال:

                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  32
قالوا: يا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم من أولياء اللَّه الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون؟ فقال صلّى اللَّه عليه و آله: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، فاهتمّوا بآجلها حين اهتمّ الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، و تركوا منها ما علموا أن سيتركهم، فما عرض لهم منها عارض إلا رفضوه، و لا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فما يجدّدونها، و خربت بينهم فما يعمّرونها، و مللت في صدورهم فما يحبّونها، بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، و يبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، نظروا إلى أهلها صرعى، قد حلّت بهم المثلات، فما يرون أمانا دون ما يرجون، و لا خوفا دون ما يحذرون.
ولاية النبي و الإمام:
فصل: في بيان أن النبوة و الولاية لهما اعتباران الإطلاق و التقييد، و العام و الخاص، و بيان معنى ولاية النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و الإمام عليه السّلام.
يتبيّن في هذا الفصل - و هو أهمّ الفصول - معنى ولاية اللَّه تعالى الحاصلة للنبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و الأئمة عليهم السّلام، التي بها يمتازون عمّا سواهم و لا يكون أحد في مستواهم.
فنقول: إن النبوة و الولاية مطلقة أي عامّة، و مقيّدة أي خاصّة. بيانه: أن أصل النبوة و الولاية من حيث هي صفة إلهيّة كما علمت سابقا تكون مطلقة. و من حيث استنادها إلى الأنبياء و الأولياء تكون مقيّدة، و المقيّد متقوّم بالمطلق، أي أنها لما كانت صفة إلهيّة، فهي الأصل، و تكون مطلقة. و المطلق - أي هذا الأصل - ظاهر في المقيّد، فنبوة الأنبياء كلّهم من حيث إنّهم مظاهر لها هي جزئيات النبوة المطلقة، و ولاية الأولياء جزئيات الولاية المطلقة، بمعنى أن النبوة و الولاية لما كانتا صفة إلهيّة، و هي من حيث هي صفة له تعالى، ليس لها حدّ محدود، و لا نعت موجود، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في صفاته تعالى، فهي لا محالة مطلقة، و لكنّها باعتبار
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  33
ظهورها في النبي و الولي، فلا محالة تكون مقيدة، قائمة بالولي، فإن الظّهور في الخلق مقيّد لا محالة، و أثر للمطلق، و متقوم به كما علمت.
و توضيح المرام في هذا الكلام: أن النبوة المطلقة هي النبوة الحقيقية، الحاصلة في الأزل، الباقية في الأبد، حيث إنّها صفة إلهيّة، قائمة بالحقيقة المحمدية صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و لسانها بهذا اللّحاظقوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم:«كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطّين»
هذا باعتبار الأصل، و أما باعتبار ظهوره في الخلق، لسانه قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم«حلال محمّد صلّى اللَّه عليه و آله حلال إلى يوم القيامة، و حرام محمّد صلّى اللَّه عليه و آله حرام إلى يوم القيامة»
حيث إنّه في هذه النبوة لم يعتبر إلا الإطلاق و ما هو شأن تلك الصفة الإلهيّة.
و معلوم أنه لم يحد بحدّ، فلا محالة تكون مطلقة، و حاصلها: أنه لما كانت هذه النبوة صفة إلهيّة، ظهرت في النبي الأعظم صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فلا محالة تكون حقيقتها هي اطلاع النبي المخصوص بها - و هو النبي الأعظم صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم - على استعداد جميع الموجودات بحسب ذواتها و ماهيّاتها، و يلزمه إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، الذي يطلبه بلسان استعداده من حيث الإنباء الذاتي و التعليم الحقيقي الأزلي، و إليه الإشارة بقوله تعالى:و آتاكم من كلّ ما سألتموه 14: 34«»(و اللَّه العالم). و صاحب هذا المقام هو الموسوم بالخليفة الأعظم، و قطب الأقطاب، و الإنسان الكبير، و آدم الحقيقي، المعبّر عنه بالقلم الأعلى، و العقل الأوّل، و الروح الأعظم. و في الأحاديث الآتية دلالة على ثبوت هذه العناوين لصاحب هذا المقام، و تقدم أن باطن هذه النبوة الولاية المطلقة، و هي عبارة عن حصول مجموع هذه الكمالات بحسب الباطن في الأزل، و بقائها إلى الأبد، و ترجع حقيقتها إلى فناء العبد في الحق، و بقائه به. و بهذا الفناء يصير مظهرا للصفة الإلهيّة بإطلاقها، و إليه الإشارةبقوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم:«أنا و عليّ من نور واحد، أو من
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  34
شجرة واحدة»
و هذه النبوة و الولاية توأمان ثابتتان له صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بلحاظ الواقع و نفس الأمر، غير قابلتين للزوال ما دام للَّه تعالى عناية في الخلق، و له تعالى ظهور فيه، هذا بالنسبة إلى النبوة و الولاية المطلقة.
أما الكلام في النبوة و الولاية المقيدة:
النبوة و الولاية المطلقة قد علمت أنها صفة إلهيّة ظهرت في النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و هي مطلقة، أي لم يلحظ فيه النبيّ، بل هو فان عن نفسه، و باق بربّه، فليس له صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم شأن غير الشأن الإلهي، و لكن قد تلاحظ هذه النبوة باعتبار قيامها بالنبي الأعظم صلّى اللَّه عليه و آله و من حيث إنه صلّى اللَّه عليه و آله صاحبها، و قائم بها، فله صلّى اللَّه عليه و آله حينئذ بلحاظ هذا المقام الإلهي الإخبار عن الحقائق الإلهيّة، أي بيان معرفة ذات الحقّ و صفاته و أحكامه، فبهذا اللحاظ قد علمت أنها نبوة تعريفيّة، فإن ضمّ معه تبليغ الأحكام و التأديب بالأخلاق، و تعليم الحكمة، و القيام بالسياسة، فهي النبوة التشريعيّة و تختص بالرسالة، و تسمى هذه أيضا بالنبوة المقيّدة بقسميها من التعريفي و التشريعي، بلحاظ إضافتها إليه صلّى اللَّه عليه و آله الموجبة لخروج هذه الصّفة الإلهيّة عن الإطلاق، و إعمالها في الخلق الموجب للتقيد، كما لا يخفى.
و قس عليها بلحاظ الإخبار عن الحقائق الإلهيّة الولاية المقيّدة، فإن الولاية لما كانت باطن النبوة، فلا محالة تدور معها، إلا أنها تمتاز عن النبوة بظهورها في الولي الأعظم، منحازة عن النبوة التشريعية فالولاية هي الأصل، و هي الباطن، قد تجامع مع النبوة، أي النبوة التشريعية المختصة به صلّى اللَّه عليه و آله كما في النبيّ الأعظم صلّى اللَّه عليه و آله، دون النبوّة التعريفيّة، فإنها قد علمت باقية ببقاء الولاية، و قد علمت أن الولاية باقية غير منقطعة.
و لذا قال بعض الأعاظم: إن الولاية لما كانت صفة إلهيّة - كما تقدم - فهي غير منقطعة أزلا و أبدا، و لا يمكن الوصول لأحد من الأنبياء و غيرهم إلى الحضرة الإلهية إلا بالولاية، التي هي باطن النبوّة، و هي تجامع مطلقا مع النبوّة التعريفيّة كما
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  35
لا يخفى.
فصل: في بيان مصاديق الولاية المطلقة و المقيدة زيادة على ما مرّ.
فلمّا عرفت أن الولاية المطلقة التي هي باطن النبوة، فهي من حيث جامعيّتها الاسم الأعظم، إذ كونها صفة إلهيّة و شأنا إلهيّا، فلا محالة تكون جامعة لجميع أسمائه و صفاته، فلا محالة هي الاسم الأعظم.
و كيف كان، فهي بهذه المرتبة لخاتم الأنبياء صلّى اللَّه عليه و آله و حيث إن الولي المطلق الإلهي له مقام البيان و التعريف، و الشرح و التبيين بالنسبة إلى الذات و الصفات و الأفعال الإلهيّة، فلا محالة يكون مقامه - أي الولي - مقام الظهور و الإظهار لتلك المعارف، كما سيأتي بيانه من الأحاديث. و لا ريب في أن الظهور و الإظهار لها منه عليه السّلام إنما هو بالولاية، فلا محالة تكون الولاية من حيث ظهورها في الشهادة، و في مقام الظهور بتمامها لخاتم الأولياء عليهم السّلام فصاحب هذه الولاية من حيث الجامعية للاسم الأعظم، كما كانت للنبي الأعظم، و من حيث الظهور و الإظهار التام، كما كانت للولي، يكون واسطة بين الحق تعالى و بين جميع الأنبياء و الأولياء، و إلى هذه المرتبة و ما لها من الآثار، تشير الأحاديث الآتية في الشرح، من أنه صلّى اللَّه عليه و آله كان نبيّا و آدم بين الماء و الطين، و كذا من قوله عليه السّلام كنت وليّا و آدم بين الماء و الطّين.
و ما ورد أيضامن أنه صلّى اللَّه عليه و آله بعث و هو روح إلى الأنبياء، و هم أرواح، فدعاهم إلى التوحيد
و سيأتي الحديث بلفظه.
و ما دلّ من أن أمير المؤمنين عليه السّلام معلّم الملائكة، و كذا الأئمة عليهم السّلام حيث إنهم سبّحوا و هللّوا و قدّسوا فهللّت الملائكة، و هكذا في البواقي، فإنها ناظرة إلى ثبوت هذه المرتبة لهم عليهم السّلام.
ثم إنه من أمعن النظر في جواز كون الملك - كجبرئيل مثلا - واسطة بين الحق و الأنبياء، لا يصعب عليه قبول كون خاتم الولاية الذي هو مظهر الاسم الجامع، و أعلى من الملائكة بمراتب - كما سيأتي أحاديثه و بيانه - واسطة بينهم و بين الحق
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  36
تعالى، ثم أن ختم الولاية أولا يكون للنبي الأعظم، حيث إنها باطن نبوّته صلّى اللَّه عليه و آله ثم للوصي المعظم، حيث إنه عليه السّلام نفسه صلّى اللَّه عليه و آله و روحه، كما تقدمت الإشارة إليه، و اللَّه العالم بحقائق الأمور.
فصل: في بيان المراد من خاتم الأولياء حيثما تحققت.
المراد بخاتم الأولياء ليس من لا يكون بعده وليّ في الزمان، بل المراد به من يكون أعلى مراتب الولاية، و أقصى درجات القرب مقاما له، بحيث لا يكون من هو أقرب منه إلى اللَّه تعالى، و لا يكون فوق مرتبته في الولاية و القرب مرتبة، و هذه هي الولاية الخاصّة، التي تختص بأهل اللَّه تعالى، الفانين في ذات اللَّه الباقين ببقائه، صاحبي قرب الفرائض، و ستأتي الأحاديث المتكثّرة المتواترة، بل و فوق التواتر، الدّالة على أن هذه المرتبة مختصّة بمحمّد و آله الطاهرين عليهم السّلام فانتظرها في شرح قوله عليه السّلام: المقرّبون، و شرح قوله: لو وجدت شفعاء أقرب إليك إلخ.
تقسيم آخر للولاية:
و هو أن الولاية الخاصة بالمعنى المذكور، و خاتم الولاية بالمعنى المذكور قد يكون صاحبها واجدا لها، بحيث تكون الولاية مقاما له، أي ثابتا غير زائل أزلا و أبدا، كما تقدم. و قد تكون حالا، أي توجد من ذلك القرب الحقيقي له في آنات دون آنات.
و قد يراد من كونها مقاما أن الولاية الخاصة التي تكون مقاما لصاحبها، هي التي تكون لمن كان وجوده فانيا فيه تعالى، بحيث ليس له أنيّة أبدا فلا ظهور فيه إلا ظهوره تعالى، فلا محالة تكون آثاره عليه السّلام آثاره تعالى كما تقدم.
فالولاية أي القرب الحقيقي مقام له، أي غير زائل، لعدم وجود له في قباله تعالى، و لا وجود له، إلا أنه مظهر له تعالى، كما أشير إليه في قوله عليه السّلام:«لا فرق بينك
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  37
و بينها إلا أنهم عبادك فتقها و رتقها بيدك»
الدعاء و سيأتي في الشرح شرحه. هذا في بيان المراد من كونها مقاما لصاحبها.
و أما كونها حالا، فمعناه أن الولي إذا لم يفن وجوده في وجوده تعالى، بل كان وجوده وجودا فرقيّا، و في عالم الفرق، لا في عالم الجمع، فلا محالة لا يكون القرب الحقيقي ذات الولي، و لا حقيقته هذا القرب، بل له وجود فرقي، يعرض له القرب، و يسمى القرب العارضي بالحال فولايته حاليّة، لا مقاميّة فهو مقرب إليه تعالى بالقرب العارضي الحالي، لا الحقيقي المقامي فالأولى أي الولاية المقاميّة تختصّ بمحمد صلّى اللَّه عليه و آله و بالمحمدييّن من أوصيائه و ورثته بالتابعيّة له صلّى اللَّه عليه و آله.
و أمّا الأنبياء السابقون و أوصياؤهم إن حصلت لهم الولاية بمعنى القرب، فإنّما حصلت لهم على أن يكون حالا لهم، لا أن يكون مقاما. قيل: يدل على هذا رؤية النبي الأعظم صلّى اللَّه عليه و آله كبراءهم من أولي العزم منهم كلا منهم في فلك مخصوص، أما بمرتبة النفسانيّة أو العقلانيّة، هذا مع أن النفس و العقل و عقولها القدسية الكائنة بها، إنما هم أولياء اللَّه تعالى بالولاية العامة التي علمت معناها، أنها تعم المؤمنين بأصنافهم، و تقدمت أقسامها، لا الخاصة لما علمت من أن وجودات الولي المتّصف بالولاية الخاصة إنما هي وجودات حقّاني جمعي إلهي. و هذا بخلاف وجود أولئك الأنبياء، فإن وجوداتهم وجودات فرقيّة، لمّا علمت من أن كلا منهم كان في فلك مخصوص، و أين هذا ممّن هو فان عن الوجود و باق بوجود المعبود؟ فظهر فيه ما كان له تعالى من الإطلاق في الوجود، و الآثار كما لا يخفى.
و كيف كان فكلامنا في بيان خاتم الولاية، التي تكون له الولاية مقاما بالمعنى المتقدم، لا حالا بالمعنيين المتقدمين. و الحاصل أن الولاية الخاصة هي الولاية المحمّدية و المحمّديّين صلوات اللَّه عليهم أجمعين.
                         الأنوارالساطعة ج : 1  ص :  38


source : دار العرفان / الأنوارالساطعة / للشیخ جواد بن عباس الکربلایی ج : 1 ص : 38
user comment
 

آخر المقالات

  حديث الاقتداء عند العلماء
  ضرورة الرجعة
  مَن هو الإمام المهدی علیه السّلام ؟
  التشاؤم
  الدنيا والتقوی
  آیة الوضوء و کیفیة غسل الایدی
  مکانة الرسول الأکرم عند الله
  أسلوب الحدیث
  الإعجاز العلمی فی القرآن
  وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ