عربي
Saturday 21st of October 2017
code: 88981
خباب بن الأرت

خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزیمة من بنی کعب بن سعد بن زید مناة بن تمیم بن مر بن إد بن طابخة بن إلیاس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
خباب بن الأرت التمیمی رضی الله عنه وکنیته أبو یحیى وقیل أبو عبد الله، صحابی من السابقین إلى الإسلام، وهو أول من أظهر إسلامه، اشترته أم أنمار بنت سباع الخزاعیة وقیل أنها أمه، وکانت حلیفة لبنی زُهرة من قریش، فانتمى لهم وأسلم وکان من المستضعفین.
کان خباب سیافا، یصنع السیوف ویبیعها لقریش، وفی یوم إسلامه جاء إلى عمله، وکان هناک نفر ینتظرون فسألوه: (هل أتممت صنع السیوف یا خباب ؟) فقال وهو یناجی نفسه: (إن أمره لعجب) فسألوه: (أی أمر؟) فیقول: (هل رأیتموه؟ وهل سمعتم کلامه؟) وحینها صرح بما فی نفسه: (أجل رأیته وسمعته، رأیت الحق یتفجر من جوانبه، والنور یتلألأ بین ثنایاه) وفهم القرشیون فصاح أحدهم: (من هذا الذی تتحدث عنه یا عبد أم أنمار؟) فأجاب: (ومن سواه یا أخا العرب، من سواه فی قومک یتفجر من جوانبه الحق، ویخرج النور من بین ثنایاه؟) فهب آخر مذعورا قائلا: (أراک تعنی محمدا) وهز خباب رأسه قائلا: (نعم إنه هو رسول الله الینا لیخرجنا من الظلمات إلى النور) کلمات أفاق بعدها خباب من غیبوبته وجسمه وعظامه تعانی رضوضا وآلاما ودمه ینزف من جسده فکانت هذه هی البدایة لعذاب وآلام جدیدة قادمة.
وفی استبسال عظیم حمل خباب تبعاته کرائد، فقد صبر ولم یلن بأیدی الکفار على الرغم من أنهم کانوا یذیقونه أشد ألوان العذاب، فقد حولوا الحدید الذی بمنزله إلى سلاسل وقیود یحمونها بالنار ویلفون جسده بها، ولکنه صبر واحتسب، فها هو یحدث :(شکونا إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم وهو متوسد بردة له فی ظل الکعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد کان من قبلکم یؤخذ الرجل فیحفر له فی الأرض فیجعل فیها ، ثم یؤتى بالمنشار فیوضع على رأسه فیجعل نصفین ، ویمشط بأمشاط الحدید ما دون لحمه وعظمه ، ما یصده ذلک عن دینه ، والله لیتمن الله هذا الأمر حتى یسیر الراکب من صنعاء إلى حضرموت لا یخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولکنکم تستعجلون )(1) وفی روایة : ( وهو متوسد برده ، وقد لقینا من المشرکین شدة ) وبعد أن سمع خباب ورفاقه هذه الکلمات، ازدادوا إیمانا وإصرارا على الصبر والتضحیة.
استنجد الکفار بأم أنمار، السیدة التی کان خباب رضی الله عنه عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت تأخذ الحدید المحمى وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخباب یتلوى من الألم، ولکنه یکظم أنفاسه حتى لا یرضی غرور جلادیه، ومر به الرسول والحدید المحمى فوق رأسه، فطار قلبه رحمة وأسى، ولکن ماذا یملک أن یفعل له غیر أن یثبته ویدعو له: (اللهم انصر خبابا) وبعد أیام قلیلة نزل بأم أنمار قصاص عاجل، إذ أنها أصیبت بسعار عصیب وغریب جعلها -کما یقولون- تعوی مثل الکلاب، وکان علاجها أن یکوى رأسها بالنار!
لم یکتف رضی الله عنه فی الأیام الأولى بالعبادة والصلاة، بل کان یقصد بیوت المسلمین الذین یکتمون إسلامهم خوفا من المشرکین، فیقرأ معهم القرآن ویعلمهم إیاه، فقد نبغ خبّاب بدراسة القرآن آیة آیة، حتى اعتبره الکثیرون ومنهم عبد الله بن مسعود مرجعا للقرآن حفظا ودراسة، وهو الذی کان یعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعید بن زید عندما فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سیفه الذی خرج به لیصفی حسابه مع الإسلام ورسوله لکنه لم یکد یتلو القرآن المسطور فی الصحیفة حتى صاح صیحته المبارکة: (دلونی على محمد)
کان خباب رجلاً قَیْناً، وکان له على العاص بن وائل دَیْنٌ، فأتاه یتقاضاه، فقال العاص: (لن أقضیَکَ حتى تکفر بمحمد) فقال خباب: (لن أکفر به حتى تموتَ ثم تُبْعَثَ)، قال العاص: (إنی لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضیکَ إذا رجعتُ إلى مالٍ وولدٍ؟!)
فنزل فیه قوله تعالى: "(أفَرَأیْتَ الذَی کَفَرَ بِآیاتنا وقال لأوتَیَنَّ مَالاً وَوَلَداً، أَطَّلَعَ الغَیْبَ أمِ اتَّخَذَ عند الرحمنِ عَهْداً، کلاّ سَنَکتُبُ ما یقول ونَمُدُّ له من العذاب مَدّا ،و نَرِثُهُ ما یقولُ ویَأتینا فرداً ") (2) شهد خباب بن الأرت جمیع الغزوات مع الرسول وعاش عمره حفیظاً على إیمانه یقول خباب: (لقد رأیتنی مع رسول الله ما أملک دیناراً ولا درهماً، وإنّ فی ناحیة بیتی فی تابوتی لأربعین ألف وافٍ، ولقد خشیت الله أن تکون قد عُجّلتْ لنا طیّباتنا فی حیاتنا الدنیا).
عندما فاض بیت مال المسلمین بالمال أیام عمر وعثمان ،کان لخباب راتب کبیر بوصفه من المهاجرین السابقین إلى الإسلام، فبنى داراً بالکوفة، وکان یضع ماله فی مکان من البیت یعلمه أصحابه ورواده، وکل من احتاج یذهب ویأخذ منه.
قال له بعض عواده وهو فی مرض الموت :(أبشر یا أبا عبد الله، فإنک ملاق إخوانک غدا) فأجابهم وهو یبکی: (أما إنه لیس بی جزع، ولکنکم ذکرتمونی أقواماً، وإخواناً مضوا بأجورهم کلها لم ینالوا من الدنیا شیئا، وإنا بقینا بعدهم حتى نلنا من الدنیا ما لم نجد له موضعاً إلا التراب) وأشار إلى داره المتواضعة التی بناها، ثم أشار إلى المکان الذی فیه أمواله وقال: (والله ما شددت علیها من خیط، ولا منعتها عن سائل) ثم إلتفت إلى کفنه الذی کان قد أعد له، وکان یراه ترفا وإسرافا وقال ودموعه تسیل :(انظروا هذا کفنی، لکن حمزة عم رسول الله لم یوجد له کفن یوم استشهد إلا بردة ملحاء، إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدمیه، وإذا جعلت على قدمیه قلصت عن رأسه).
مات رضی الله عنه فی السنة السابعة والثلاثین للهجرة. مات واحد ممن کان الرسول یکرمهم ویفرش لهم رداءه ویقول :(أهلاً بمن أوصانی بهم ربی) وهو أول من دُفِنَ بظهر الکوفة من الصحابة.
قال زید بن وهب: (سِرْنا مع علی حین رجع من صفّین، حتى إذا کان عند باب الکوفة إذْ نحن بقبور سبعة عن أیماننا، فقال: (ما هذه القبور ؟) فقالوا: (یا أمیر المؤمنین إنّ خباب بن الأرت توفی بعد مخرجک إلى صفین، فأوصى أن یدفن فی ظاهر الکوفة، وکان الناس إنّما یدفنون موتاهم فی أفنیتهم، وعلى أبواب دورهم، فلمّا رؤوا خباباً أوصى أن یدفن بالظهر، دفن الناس) فقال علی بن أبی طالب:(رحم الله خباباً أسلم راغباً وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلی فی جسمه، ولن یضیعَ الله أجرَ مَنْ أحسنَ عملاً) ثم دنا من قبورهم فقال: (السلام علیکم یا أهل الدّیار من المؤمنین والمسلمین، أنتم لنا سلفٌ فارطٌ، ونحن لکم تبعٌ عما قلیل لاحِقٌ، اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوک عنا وعنهم، طوبى لمن ذکرَ المعاد وعمل للحساب وقنعَ بالکفاف، وأرضى الله عزَّ وجلَّ).
 
المصدر : خباب بن الأرت. قصة الإسلام، بتاریخ 1 مایو 2006.
1- رواه البخاری/138
2- سورة مریم (آیة 77:80)

user comment
 

آخر المقالات

  محمد جواد البلاغي
  مركز أمير المؤمنين(ع) للترجمة ينجز عددا من أعمال الترجمة إلى ...
  حكومة البحرين تهاجم المفوض السامي مجدداً بعد انتقاده ...
  الأوروبيّة البحرينيّة لحقوق الإنسان: منع الحلواجي من السفر ...
  العتبة العلوية تقيم برنامج "الزائر الصغير" للإرشادي ...
  الشیخ ابو حیدر الکبیسی
  شاب يصدم الداعية المصري عمرو خالد أثناء أداء مناسك الحج!
  فضيلة السيّد أصغر عليّ شاه الباكستاني
  إسماعيل بن محمد (السيد الحميري) الكيساني([1])
  خباب بن الأرت